اهداف وظروف اخفاق الحركة



كانت حركة 24 ابريل 1990 من أجرأ وأقوى المحاولات العسكرية التي استهدفت اسقاط نظام الجبهة الاسلامية القومية الحاكم في السودان . بلا شك ان عوامل النجاح قد توفرت لتلك الحركة ولكن ساهمت عوامل اخرى قد تعزى للخيانة . وبعض الاسباب اللوجستية في عدم تنفيذ الخطة . لقد كان ثمن الاخفاق باهظاً حيث فقد الوطن ثمانية وعشرين ضابطاً وطنياً شجاعا في مذبحة بشعة لم يشهد مثلها تاريخ السودان المعاصر ، ايضا فقد الوطن اربعة من ضباط الصف البواسل المخلصين لوطنهم وقواتهم المسلحة في نفس الليلة وتتابعت الاعدامات حتى وصل عدد الشهداء من ضباط الصف 28 شهيداً وأرسل العشرات الى السجون وشردت اعداد لا تحصى من الضباط وضباط الصف والجنود .


أهداف حركة ابريل 1990

لم تخرج اهداف هذه الحركة الشجاعة عن تطلعات جماهير الشعب السوداني الذي يرفض الضيم والظلم فجاءت هذه الاهداف تلخيصا وتعبيرا عما يريد .


· · اعادة الحياة الديمقراطية في السودان .

· · الغاء كافة المراسيم الدستورية الصادرة عن السلطة العسكرية منذ الثلاثين من يونيو 1989 .

· · اقرار وثيقة دستورية تحدد هياكل الحكم الديمقراطي تؤكد على مبادئ كفالة الحريات الاساسية واستقلال القضاء وسيادة حكم القانون .

· · الفصل بين السلطت التشريعة والتنفيذية والقضائية .

· · استقلال مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي .

· · استقلال الحركة النقابية وبقاؤها موحدة وديمقراطية .

· · قومية القوات المسلحة والشرطة والقوات النظامية الاخرى ، والخدمة العامة واجهزة الاعلام وحمايتها من التدخلات السياسية .

· · انتهاج سياسة خارجية تؤكد السيادة الوطنية وتقوم على رعاية المصالح المشتركة وحسن الجوار وعدم الانحياز ورفض المحاور ، وتناصر قضايا التحرر وتناهض الصهيونية والتفرقة العنصرية .

· · كما تنص اهداف الحركة على اعادة الحياة الديمقراطية واعلان شرعية الاحزاب السياسية والنقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية .

· · حرية الصحافة والسماح باصدار لصحف القومية والحزبية .

· · اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، اعادة المفصولين تعسفيا بعد 30يونيو 1989 إلى مواقع عملهم .

· · محاكمة ومحاسبة كل من شارك في تقويض النظام الديمقراطي .

· · محاكمة المسؤولين عن الفساد بكل اشكاله امام القضاء .

· · نزع سلاح الميليشيات .


ظروف اخفاق الحركة

في 15 مارس 1990 استطاعت الاجهزة الامنية التابعة لنظام الجبهة القومية الاسلامية كشف تنظيم
عسكري يعمل على اسقاط النظام . تم القاء القبض على ما يقارب الخمسة وثلاثون ضابطا فيما عرف لاحقا بمحاولة انقلاب اللواء الركن محمد على حامد . كانت نتائج التحقيق في تلك المحاولة تشير بوضوح إلى وجود عمل عسكري معارض كبير لسياسات وتوجهات النظام ولم تفلح حملات الفصل والملاحقة الامنية في الحد من مخاطره . لذا فقد صدرت التوجيهات بتكثيف العمل الامني المضاد ومحاولة اختراق كل التنظيمات المحتملة وتأمين الوحدات العسكرية في العاصمة بكل الكوادر الملتزمة المتيسرة .

خلال شهر ابريل وبالتحديد في العشرين منه بحثت لجنة أمن النظام والتي يرأسها اللواء الزبير محمد صالح ومن اعضائها العقيد عبد الرحيم محمد حسين والعقيد بكري حسن صالح والرائد ابراهيم شمس الدين والدكتور نافع على نافع المؤشرات الدالة على وجود عمل عسكري معارض وتقررت تكثيف المراقبة على الضباط المتقاعدين والقاء القبض عند اي اشتباه لمحاولة الحصول على معلومات بالإستجواب المكثف (التعذيب) . في ذلك الاجتماع تقرر القاء القبض على اللواء ركن متقاعد عثمان ادريس بلول والعقيد محمد أحمد قاسم لوجود معلومات حول نشاطهما في اجراء اتصالات وتحركات مريبة . تم اعتقال الضابطين المذكورين في نفس اليوم وبما ان التحريات لم تتوصل إلى معلومات مفصلة ، فقد تقرر استمرار التحفظ عليهما وارسل اللواء بلول إلى بيوت الاشباح بينما استمر اعتقال العقيد قاسم في زنزانة في سطح مبنى جهاز امن . من هنا يتضح لنا أن اجهزة أمن الدولة لم تكن لديها أي معلومات ذات وزن وقد ساعد دخول شهر رمضان في اواخره وبدء الاستعداد للعيد في تراخي القبضة الامنية والحذر المستمر .

في الساعة التاسعة من مساء يوم 23 أبريل وصل رقيب (نحتفظ باسمه الآن) من سلاح المظلات إلى منزل الرائد عادل عبد الحميد وهو ضابط استخبارات بقيادة السلاح وذلك في ضاحية الحاج يوسف . ابلغ الرقيب بان لديه معلومات خطيرة عن انقلاب سيتم في تلك الليلة و رفض الادلاء بأي معلومات اضافية الا بحضور العميد كمال على مختار نائب مدير الاستخبارات العسكرية .

عند الساعة الحادية عشرة استجوب العميد كمال علي مختار الرقيب المذكور وذلك بمقر الاستخبارات بالقيادة العامة وقد كانت خلاصة افادته

· · سينفذ انقلاب عسكري في هذه الليلة وان معظم الوحدات ستشارك فيه ، وايضاً ستشارك وحدات من شرطة الاحتياطي المركزي .

· · أن الواجب المحدد له ان يقابل المقدم الركن المتقاعد عبد المنعم كرار امام بوابة دخول معسكر القوات الخاصة (وتقع في الجانب الشرقي للقيادة العامة في اتجاه بري) بعد منتصف الليل حيث سيؤمن هو ومعه ضباط صف آخرين دخوله وقيادته للقوات الخاصة علما بان وحدة المقدم كرار وكل ضباط الصف فيها موالين له .

كانت تلك المعلومة هي التي أودت بحركة ابريل 90 ورغم المفاجاة وقصر فترة الانذار فقد بدأ العميد كمال على مختار اجراءات مضادة سريعة ، رغم الذعر والخوف والتخبط فقد ساهمت تلك الاجراءات المضادة في فشل المحاولة .

استدعى العميد كمال علي مختار قبل منتصف الليل كلا من العقيد عبد الرحيم محمد حسين والعقيد بكري حسن صالح والرائد ابراهيم شمس الدين للتشاور حول كيفية انقاذ الموقف ، كذلك اتصل بالعميد عمر البشير رئيس مجلس الانقاذ والذي بادر فورا بمغادرة مقر سكن الدولة وتوجه إلى العيلفون حيث ظل مختبا هناك في منزل الطيب النص حتى صباح اليوم التالي كما فعل بقية اعضاء المجلس نفس الشئ .

في الساعة الواحدة صباحا أخلى بقية أعضاء مجلس الإنقاذ منازلهم بدون اصطحاب عوائلهم وذهبوا إلى منازل أقربائهم ويلاحظ أن ايا منهم لم يرتد لباسه العسكري أويذهب إلى أي وحدة عسكرية .

جمع العميد كمال علي مختار كل افراد الاستخبارات والامن في القيادة العامة وصرفت لهم ملابس عسكرية واسلحة وتم قفل كل بوابات القيادة العامة وقد صدرت أوامر بأعتقال أي ضابط يحاول الدخول .

في الساعة الواحدة من صباح يوم 24 أبريل استطاع العميد كمال علي مختار القاء القبض على المقدم الركن عبد المنعم كرار والمقدم محمد عبد العزيز أمام بوابة معسكر القوات الخاصة التي حددتها الخيانة .

تولى الرائد إبراهيم شمس الدين حراسة مداخل القيادة العامة بينما توجه العقيد بكري حسن صالح إلى قيادة سلاح المظلات حيث وجد أن الضابط العظيم (المناوب) هو العقيد عبد الله الخطيب الذي تعاون في قفل مدخل القيادة الجنوبي في اتجاه قاعدة الخرطوم الجوية ومطار الخرطوم وقد مكن ذلك من عزل المنطقة وتحديد الحركة إلى الداخل . أما العقيد عبد الرحيم محمد حسين فقد توجه عند منتصف الليل إلى قاعدة وادي سيدنا الجوية والتي كان الضباط المناوبون فيها من عناصر الجبهة حيث قام بعدها باجراءات مضادة سريعة وكانت كالتالي

· · زيادة الحراسة وافراد الامن في البوابات الرئيسية وعند مدخل الكلية الحربية في وادي سيدنا ومدرسة المشاة في كرري ومعهد المدرعات في كرري .

· · تغيير كلمة المرور (سر الليل ) لدى كل الحرسات في البوابات .

· · إصدار أوامر مشددة بمنع دخول أو مبارحة أي ضابط لمعسكرات منطقة وادي سيدنا .


وفي الخرطوم وبناء على المعلومات عن إشتراك وحدات من الشرطة في المحاولة أصدر العميد فيصل أبو صالح وزير الداخية أوامره بأن تعود جميع عربات النجدة المجهزة بأجهزة اتصالات جيدة إلى وزارة الداخلية حيث احتجزت حتى اليوم التالي .

عند الساعة الثالثة صباحا ألقى القبض على العقيد أ. ح. عصمت ميرغني طه رئيس عمليات وتدريب المظلات في البوابة الجنوبية الشرقية للقيادة العامة قرب معسكر القوات الخاصة والذي أفاد عند اعتقاله أنه حضر لتنفيذ عملية اسقاط مظلي تدريبية ستتم عند الفجر وهي مخطط لها مسبقاً وتم التصديق عليها من قبل القيادة العامة وجهزت الطائرات لذلك الاسقاط كان رد الفعل السريع لذلك هو تجريد السرية المظلية القائمة بتنفيذ الاسقاط من أسلحتها وحراستها بقوة من الجنود الموثوق بهم وقد تم ذلك في قاعدة الخرطوم الجوية قرب صالة كبار الزوار وأشرف على عملية تجريد السرية المظلية العقيد بكري حسن صالح والعقيد عبد الله الخطيب.

بعد الثالثة صباحا بقليل ظهر العقيد طيار حسن عبد الله عطا قائد طائرات النقل (بفلو) في القاعدة الجوية وقد أفاد بعد إلقاء القبض عليه أنه مكلف من قبل عمليات القوات الجوية بتنفيذ مهمة اسقاط سرية مظلات عند الفجر في منطقة غرب أم درمان وذلك ضمن برنامج التدريب وأن طائرة النقل مجهزة من اليوم السابق .

في حوالي الثالثة والنصف صباحا دخلت مدرعة من اتجاه مطار الخرطوم مروراً بقاعدة الخرطوم الجوية وإلى داخل القيادة العامة وكان على متنها المقدم (متقاعد) بشير الطيب الذي يوضح تصرفه فيما بعد بأنه كان على يقين كامل بان منطقة القيادة العامة مؤمنة تماماً . عند وصول المقدم بشير الطيب بمدرعته إلى البوابة الرئيسية وجد الرائد ابراهيم شمس الدين يقف هناك . حسب افادة بعض الشهود ان المقدم بشير قد خاطب الرائد شمس الدين قائلاً "أنت يا كلب واقف هنا تعمل شنو ؟ أنت الجبخانة كتيرة عليك" . ثم قفز المقدم بشير على الرائد شمس الدين ليخنقه بيده المجردة وهنا أطلق عليه سائق إبراهيم شمس الدين النار ليصيبه في كتفه ويسقط بينما لم يكن هنالك أي رد فعل سلبا أو ايجاباً من كل جنود الحراسة وكأن الامر لا يعنيهم .

في الساعة الرابعة صباحا وفي المنطقة قرب جامع القوات المسلحة كانت تقف بعض السيارات المدنية وقد تجمع حولها وبقرب المكان حوالي 20-25 عنصرا مسلحا يرتدون ملابس مدنية ويبدو أن تلك القوة هي الوحيدة من ميليشيا الجبهة القومية الاسلامية التي أمكن استنفارها في تلك الليلة .

رغم الاجراءات المضادة التي رصدناها فيما سبق يتضح بعد الدراسة أن حركة ابريل قد استطاعت السيطرة على معظم أهدافها الارضية عدا مبنى القيادة العامة
.